محمد أبو زهرة

3477

زهرة التفاسير

امتلاء النفس بخشية اللّه تعالى ، والوقاية مما يغضبه ولا يرضيه ، فهي وقاية من العذاب ، ومن هذه الوقاية طلب الرضا ، فلا يقى من غضب اللّه إلا طلب رضاه بطاعته ومحبته وعبادته ، وإن الصدق طريقها ، وهما معا ، « ولقد سئل النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم : أيكون المؤمن جبانا ؟ فقال : يكون ، فقيل : أيكون بخيلا ؟ قال صلى اللّه عليه وسلم يكون ، فقيل : أيكون كذابا ؟ قال صلى اللّه عليه وسلم : لا يكون المؤمن كذابا » « 1 » وقال في الأمر بالصدق وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ أي كونوا في صحبتهم رحمهم اللّه ، مثل الذين صدقوا في تخلفهم وغيرهم من الصادقين ، و ( أل ) للاستغراق تشمل كل صادق من المؤمنين ، فلا يقصد جمع معين ؛ لأنه لا عهد ليعين ذلك الجمع ، فاللفظ يكون على عمومه ، وتكون للاستغراق وعموم أصل الصدق الذين يصير الصدق وصفا ملازما لهم ، ولقد قال صلى اللّه عليه وسلم : « عليكم بالصدق فإن الصدق يهدى إلى البر ، والبر يهدى إلى الجنة ، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند اللّه صديقا » ، ويقول صلى اللّه عليه وسلم . « إياكم والكذب ، فإن الكذب يهدى إلى الفجور ، وإن الفجور يهدى إلى النار وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند اللّه كذابا » « 2 » . والصدق ليس مقصورا في معناه على الصدق في الخبر ، بل إن ذلك أظهره وأقربه ، وإن كان يشمل صدق الإيمان بأن يؤمن باللّه ورسوله ، وأن يقوم بما يوجبه الإيمان ، ويصدق في الجهاد ، ويصدق أمام الناس في إيمانه ، فلا يخالف لسانه قبله ولا عمله قوله ، ومن الصدق صدق النفس فلا يكذب على نفسه ، فيحسن عمله وهو قبيح ، ولا يخدع نفسه ، ومن الصدق الإخلاص في كل ما يظهر على لسانه ، فلا يخادع ولا ينافق ، وفي الجملة الصدق ملاك الأخلاق الفاضلة ، والإيمان الصحيح ، والعمل الصالح .

--> ( 1 ) موطأ مالك : الجامع ( 1862 ) عن صفوان بن سليم رضى اللّه عنه . ( 2 ) سبق تخريجه .